فصل: وجه آخر مما يُعَد مختلفا وليس عندنا بمختلف‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الرسالة **


*2*  اختلاف الرواية على وجهٍ غير الذي قبله‏.‏

أخبرنا مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا ‏[‏الشِّفُّ‏:‏ الربح والزيادة ‏[‏النهاية - ابن الأثير‏]‏‏.‏‏]‏ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الوَرِقَ‏[‏ الوَرِقُ‏:‏ الدراهم المضروبة ‏[‏مختار الصحاح - الرازي‏]‏‏]‏ بِالوَرِقِ إلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا شَيْئًا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ ‏[‏النَّاجِزُ‏:‏ الحاضر ‏[‏القاموس المحيط - فيروزآبادي‏]‏‏.‏‏]‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب البيوع/2031؛ مسلم‏:‏ كتاب المساقاة/2964؛ الترمذي‏:‏ كتاب البيوع/1162؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4494؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1145‏]‏

أخبرنا مالك عن موسى بن أبي تميم عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَا‏[‏ مسلم‏:‏ كتاب المساقاة/2974؛ النسائي‏:‏ 4491؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب التجارات/2247؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1144‏]‏

أخبرنا مالك عن حُمَيْد بن قَيْسٍ عن مجاهد عن ابن عمر أنه قال‏:‏ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَا، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا، وَعَهْدُنَا إِلَيْكُمْ‏[‏ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4492؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1146‏]‏

قال الشافعي‏:‏ وروَى عثمان بن عفَّان وعبادة بن الصَّامِت عن رسول الله النَّهْيَ عَنِ الزِّيادَةِ فِي الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، يَدًا بِيَدٍ ‏[‏ مسلم‏:‏ كتاب المساقاة/2970؛ الترمذي‏:‏ كتاب البيوع/1161؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4484؛ أبو داود‏:‏ كتاب البيوع/2907‏]‏

قال الشافعي‏:‏ وبهذه الأحاديث نأخذ، وقال بمثل معناها الأكابِرُ مِن أصحاب رسول الله، وأكثرُ المُفْتِيِّيَن بِالبُلدان‏.‏

أخبرنا سفيان أنه سمع عبيد الله بن أبي يزيد يقول‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ أخبرني أسامة بن زيد أن النبي قال‏:‏ ‏(‏إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيَّةِ‏)‏‏[‏ النَّسِيئَةُ‏:‏ التأخير ‏[‏المصباح المنير - الفيومي‏]‏‏.‏‏]‏

‏[‏ مسلم‏:‏ كتاب المساقاة/2991؛ الترمذي‏:‏ كتاب البيوع/1162؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4505؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب التجارات/2248‏]‏

قال‏:‏ فأخذ بهذا ابن عباس ونفَرٌ من أصحابه المكيين وغيرُهم‏.‏

قال‏:‏ فقال لي‏:‏ قائل هذا الحديث مخالف للأحادِثِ قبْلَه‏؟‏

قلت‏:‏ قد يحتمل خِلافها ومُوافقَتَها‏.‏

قال‏:‏ وبأي شيء يحتمل موافقتها‏؟‏

قلت‏:‏ قد يكون أسامة سَمِعَ رسولَ الله يُسأَلُ عن الصِّنفَيْن المختلفين، مثل الذهب بالوَرِقِ، والتمر بالحِنْطَة أو ما اختلف جِنْسه مُتَفاضِلاً يداً بيد، فقال‏:‏ ‏(‏إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيَّةِ‏)‏، أو تكونُ المسألة سبقَتْهُ بهذا وأدْرَكَ الجوابَ، فرَوَى الجواب ولم يَحْفظ المسألة، أو شكَّ فيها، لأنه ليس في حديثه ما يَنْفِي هذا عن حديث أسامة، فاحتمل موافقتها لهذا‏.‏

فقال‏:‏ فلِمَ قلْتَ‏:‏ يحتمل خلافها‏؟‏

قلت‏:‏ لأن ابن عباس الذي رَواه، وكان يذهب فيه غيرَ هذا المَذْهب، فيقول‏:‏ لا ربا في بيعٍ يداً بيد، إنما الربا في النسِيَّة‏.‏

فقال‏:‏ فما الحجة إن كانت الأحاديث قبله مخالِفةً‏:‏ في تركِه إلى غيرِه‏؟‏

فقلت له‏:‏ كل واحد ممن روى خلافَ أسامة، وإن لم يكن أشهرَ بالحفظ للحديث من أسامة، فليس به تقصير عن حفظه، وعثمانُ بن عفان وعبادة بن الصامت أشدُّ تقَدُّمًا بالسِّن والصُّحْبة من أسامة، وأبو هريرة أسَنُّ وأحفَظُ مَنْ روَى الحديث في دَهْرِهِ‏.‏

ولَمَّا كان حديثُ اثنين أوْلَى في الظاهر بالحفظ، وبأن يُنْفَى عنه الغَلَطُ من حديثٍ واحد‏:‏ كان حديثُ الأكثر الذي هو أشبه أن يكون أوْلَى بالحفظ مِن حديث مَن هو أحدَث ُ منه، وكان حديث خمسةٍ أولى أن يُصارَ إليه مِن حديث واحد‏.‏

*2* وجه آخر مما يُعَد مختلفاً، وليس عندنا بمختلف‏.‏

أخبرنا ابن عيينة عن محمد بن العَجْلانِ عن عاصم بن عمر بن قَتَادَةَ عن محمود بن لَبِيد عن رافع بن خَدِيج أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏أسْفِرُوا بِالفَجْرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ لِلْأَجْرِ، أَوْ‏:‏ أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ ‏)‏ ‏[‏ الترمذي‏:‏ كتاب الصلاة/142؛ النسائي‏:‏ كتاب المواقيت/545؛ أحمد‏:‏ مسند الشاميين/16641‏]‏

أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏كُنَّ النِّسَاءُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَنْصَرِفْنَ وَهُنَّ مُتَلَفِّعاتٌ بِمُرُوطِهِنَّ ‏[‏ تَلَفَّعَتِ المرأة بِمِرطِهَا‏:‏ مثلُ‏:‏ تَلَحَّفَتْ به - وزناً ومعنى -؛ والمِرْطُ‏:‏ كساء من صوف أو خَزٍّ، يُؤْتَزَرُ به، وتتلفع المرأة به ‏[‏المصباح المنير - الفيومي‏]‏‏.‏‏]‏، مَا يَعْرِفُهُنَّ أحَدٌ مِنَ الغَلَسِ ‏[‏ الغَلَسُ‏:‏ ظلام آخر الليل ‏[‏المصباح‏]‏‏.‏‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الصلاة/359؛ النسائي‏:‏ كتاب المواقيت/543؛ أحمد‏:‏ مسند الأنصار/22967‏]‏

قال‏:‏ وذكَرَ تَغْلِيسَ النبي بالفجر سهلُ بن سعد وزيد بن ثابت وغيرُهما مِن أصحاب رسول الله، شبيهٌ بمعنى عائشة‏.‏

قال الشافعي‏:‏ قال لي قائل‏:‏ نحن نرى أن نَسْفِرَ بالفجر اعتماداً على حديث رافع بن خديج ونزْعُمُ أن الفضْل في ذلك، وأنت ترى أنْ جائِزًا لنا إذا اختلف الحديثان أنْ نأخذَ بأحدهما، ونحن نَعُدُّ هذا مخالفاً لحديث عائشة‏.‏

قال‏:‏ فقلت له‏:‏ إن كان مخالفاً لحديث عائشة، فكان الذي يَلْزَمنا وإيَّاكَ أن نصير إلى حديث عائشة دونه، لأن أصل ما نبْنِي نحن وأنتم عليه‏:‏ أن الأحاديث إذا اختلَفَت لم نذهب إلى واحد منها دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى من الذي تَرَكْنا‏.‏

قال‏:‏ وما ذلك السبب‏؟‏

قلت‏:‏ أن يكون أحدُ الحديثين أشْبَهَ بكتاب الله، فإذا أشبه كتابَ الله كانت فيه الحجةُ‏.‏

قال‏:‏ هكذا نقول‏.‏

قلنا‏:‏ فإن لم يكن فيه نصُّ كتاب كان أوْلاهما بِنا الأثبتُ منهما، وذلك أن يكون مَن رواه أعرفَ إسنادا وأشهرَ بالعلم وأحفظَ له، أو يكونَ رُوِيَ الحديثُ الذي ذهبنا إليه مِن وجهين أو أكثرَ، والذي تركْنا مِن وجهٍ، فيكونَُ الأكثر أولى بالحفظ مِن الأقل، أو يكونَ الذي ذهبنا إليه أشبهَ بمعنى كتابِ الله، أو أشبهَ بما سِواهما مِن سُنَنِ رسول الله، أوْ أَوْلى بما يَعرف أهلُ العلم، أو أصحَّ في القياس، والذي عليه الأكثرُ مِن أصحاب رسول الله‏.‏

قال‏:‏ وهكذا نَقول ويقول أهلُ العلم‏.‏

قلت‏:‏ فحديث عائشة أشبه بِكتاب الله، لأن الله يقول‏:‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى‏}‏ البقرة‏:‏238، فإذا حَلَّ الوقت فأَوْلَى المُصلِّين بالمحافظة المُقَدِّمُ الصلاةِ‏.‏

وهو أيضاً أشهرُ رجالاً بالثِّقة وأحْفَظُ، ومع حديث عائشة‏:‏ ثلاثةٌ كلُّهم يَرْوُونَ عن النبي مثلَ معنى حديث عائشة‏:‏ زيدُ بن ثابت وسهل بن سعد‏.‏

وهذا أشبه بسنن النبي مِن حديث رافع بن خَدِيج‏.‏

قال‏:‏ وأيُّ سننٍ‏؟‏

قلت‏:‏ قال رسول الله‏:‏ ‏(‏أَوَّلُ الوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ‏)‏ ‏[‏ الترمذي‏:‏ كتاب الصلاة/158‏]‏

وهو لا يُؤْثِر على رضوان الله شيئاً، والعفو لا يحتمل إلا معنيَيْنِ‏:‏ عفْوٌ عن تقْصيرٍ، أو توْسِعَةٌ، والتوسعة تُشْبِه أن يكون الفضْل في غيرِها، إذْ لم يُؤْمَرْ بترك ذلك الغير الذي وُسِّع في خلافها‏.‏

قال‏:‏ وما تريد بهذا‏؟‏

قلت‏:‏ إذْ لم نؤمر بترك الوقت الأول، وكان جائزاً أنْ نُصَلِّيَ فيه وفي غيره قبْلَهُ، فالفضْل في التَّقْديم، والتأخيرُ تقصيرٌ مُوَسَّعٌ‏.‏

وقد أبانَ رسولُ الله مثْلَ ما قلنا، وسُئِلَ‏:‏ أيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ‏؟‏ فقال‏:‏ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا‏[‏ أبو داود‏:‏ كتاب الصلاة/362‏]‏

وهو لا يدع موضع الفضل، ولا يأمر الناس إلا به‏.‏

وهو الذي لا يجهله عالم‏:‏ أنَّ تقديمَ الصلاة في أول وقتها أولى بالفضل، لِمَا يَعْرِضُ للآدمِيِّينَ مِن الأشغال والنِّسْيان والعِلَل‏.‏

وهذا أشبه بمعنى كتاب الله‏.‏

قال‏:‏ وأيْن هو من الكتاب‏؟‏

قلت‏:‏ قال الله‏:‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ‏}‏ البقرة‏:‏238، ومَن قدَّمَ الصلاةَ في أوَّل وقْتِها كان أولى بالمحافظة عليها ممن أخَّرَها عَن أوَّل الوقت‏.‏

وقد رأينا الناس فيما وجب عليهم وفيما تَطَوَّعُوا به يُؤْمَرُون بتعجيله إذا أمْكَن، لِمَا يعرض للآدميين من الأشغال والنِّسْيان والعلل، الذي لا تَجْهَلُه العُقول‏.‏

وإن تقديم صلاة الفجر في أوَّل وقتها عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى الأشْعَرِي وأنس بن مالك وغَيْرِهم‏:‏ مُثْبَتٌ‏.‏

فقال‏:‏ فإن أبا بكر وعمر وعثمان دخلوا في الصلاة مُغَلِّسِيَن وخرجوا منها مُسْفِرِينَ، بإطالة القِراءة‏؟‏

فقلت له‏:‏ قد أطالوا القراءة وأوْجَزُوهَا، والوقتُ في الدخول لا في الخروج مِن الصلاة وكلُّهم دخل مُغَلِّسًا، وخرج رسول الله منها مُغَلِّسًا‏.‏

فخالفتَ الذي هو أولى بك أنْ تصير إليه، مما ثَبَتَ عَنْ رسول الله، وخالفْتَهم، فقلْتَ‏:‏ يدخل الدَّاخل فيها مُسْفِرًا ويخرج مُسْفِرًا ويُوجِز القِراءة، فخالفتهم في الدخول وما احْتَجَجْتَ بِهِ مِنْ طُولِ القراءة، وفي الأحاديث عن بعضهم أنه خرجَ منها مُغلِّساً‏.‏

قال‏:‏ فقال‏:‏ أفَتَعُدُّ خَبَرَ رافع يُخالِف خبَرَ عائشة‏؟‏

فقلتُ له‏:‏ لا‏.‏

فقال‏:‏ فبِأيِّ وجْهٍ يُوافقه‏؟‏

فقلت‏:‏ إن رسول الله لَمَّا حَضَّ الناسَ على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيها‏:‏ احتمل أن يكون من الرَّاغِبِين مَنْ يُقَدِّمها قبْل الفجر الآخِرِ، فقال‏:‏ أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ، يعني‏:‏ حتى يَتَبَيَّنَ الفَجْرُ الآخِر مُعْتَرِضًا‏.‏

قال‏:‏ أفيحتمل معنىً غيرَ ذلك‏؟‏

قلت‏:‏ نعم، يحتمل ما قلتَ، وما بَيْنَ ما قُلْنا وقلْتَ، وكلَّ معنى يقع عليه اسم الإسفار‏.‏

قال‏:‏ فما جعَلَ معْناكم أوْلَى مِنْ معْنانا‏؟‏

فقلت‏:‏ بما وصفْتُ مِنَ التَّأويل، وبأنَّ النبي قال‏:‏ هُمَا فَجْرَانِ، فَأَماَّ الَّذِي كَأَنَّهُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ ‏[‏السِّرْحَانُ‏:‏ الذئب وقيل‏:‏ الأسد، ويقال للفجر الكاذب‏:‏ سرحان - على التشبيه ‏[‏المصباح المنير - الفيومي‏]‏‏.‏‏]‏، فَلَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ، وَأَمَّا الفَجْرُ المُعْتَرِضُ فَيُحِلُّ الصَّلاَةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ‏[‏سنن البيهقي‏:‏ كتاب الصلاة/باب‏:‏ الفجر فجران،ج 2/ص 377‏]‏، يعني‏:‏ على مَنْ أرادَ الصِّيام‏.‏

*2*  وجه آخر مما يُعَدُّ مختلفاً‏.‏

أخبرنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد اللَّيْثِيِّ عن أبي أيُّوبَ الأنْصاري أنَّ النّبِيَّ قَالَ‏:‏ ‏(‏لاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا لِغَايِطِ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا‏.‏ قَالَ أَبُو أَيُّوب‏:‏ فَقَدِمْنَا الشَّامَ، فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ صُنِعَتْ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ‏)‏‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الصلاة/380؛ مسلم‏:‏ كتاب الطهارة/388؛ الترمذي‏:‏ كتاب الطهارة/8؛ النسائي‏:‏ كتاب الطهارة/21‏]‏

أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حَبَّانَ عن عَمِّهِ واسع بن حبانط عن عبد الله بن عمر أنَّه كان يقول‏:‏ ‏(‏إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ‏:‏ إذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلاَ تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلاَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَالَ عبد الله‏:‏ لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأْيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ‏)‏‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الوضوء/142؛ النسائي‏:‏ كتاب الطهارة/23؛ مالك‏:‏ كتاب النداء للصلاة/408‏]‏

قال الشافعي‏:‏ أدَّبَ رَسولُ الله مَن كان بيْن ظَهْرَانَيْهِ، وهم عَرَب، لا مُغْتَسَلاَتِ لَهُمْ أو لأكثرهم في منازلهم، فاحتمل أدَبُه لهم معنيين‏:‏

- أحدهما‏:‏ أنهم إنما كانوا يذهبون لحوايجهم في الصحراء، فأمرهم ألاَّ يستقبلوا القبلة ولا يستدبروها، لِسَعَة الصحراء، ولِخِفَّةِ المَؤُونَةِ عليهم، لسعة مذاهبهم عن أنْ تُسْتقبل القبلة أو تُستدبر لحاجة الإنسان مِن غايط أو بول، ولم يكن لهم مِرْفَقٌ ‏[‏ مرفق بوزن مجلس ومنبر‏:‏ مصدر رفق به‏]‏ في استقبال القبلة ولا استدبارِها أوْسَعَ عليهم مِنْ تَوَقِّى ذلك‏.‏

وكثيراً ما يكون الذاهبون في تلك الحال في غير سِتْر عن مصلِّي ‏[‏هكذا هي في الأصل بإثبات الياء‏.‏ قال الشيخ أحمد شاكر‏:‏ وهو جائز فصيح خلافاً لما يظنه أكثر الناس‏]‏، يرى عوراتهم مُقبلين ومُدْبرين، إذا استقبل القبلة، فأُمِروا أن يُكْرموا قِبْلَةَ الله ويستروا العورات مِنْ مُصَلي، إنْ صلَّى حيث يراهم، وهذا المعنى أشبه معانيه، والله أعلم‏.‏

وقد يحتمل أن يكون نهاهم أن يستقبلوا ما جُعِلَ قِبْلةً في صحراء لغائط أو بول، لِئَلاَّ يُتَغَوَّطَ أو يُبالَ في القِبلة، فتكونَ قَذِرَةً بِذلك، أوْ مِن وَرَائِها، فيكونَ مِنْ ورائِها أذًى للمصلين إليها‏.‏

قال‏:‏ فسمع أبو أيوب ما حَكَى عن النبي جُمْلَةً، فقال به على المذهب في الصحراء والمنازل، ولم يُفَرِّقْ في المذهب بين المنازل التي للناس مَرَافِقُ في أنْ يضعوها في بعض الحالات مُسْتَقْبِلَةَ القِبلة أو مستدبرتها، والتي يكون فيها الذاهبُ لحاجته مُسْتَتِرًا، فقال بالحديث جملةً، كما سمعه جملةً‏.‏

وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عُمُومِه وجملته، حتى يجد دِلالة يُفَرِّق بها فيه بينه‏.‏

قال الشافعي‏:‏ لما حكى ابن عمر أنه رأى النبي مستقبلاً بيت المقدس لحاجته، وهو إحدى القبلتين، وإذا استقبله استدبر الكعبة‏:‏ أنْكَرَ على مَنْ يقول لا يستقبِلِ القِبْلَةَ ولا تستدبِرْها لحاجة، ورَأَى أنْ لا ينبغيَ لأحد أن يَنْتَهِيَ عَن أمْرٍ فعله رسول الله‏.‏

ولم يسمع - فيما يُرَى - ما أمَرَ به رسولُ الله في الصحراء، فَيُفَرِّقَ بيْن الصحراء والمنازل، فيقولَ بالنهي في الصحراء وبِالرخصة في المنازل، فيكون قد قال بما سمع ورأى، وفرَّقَ بالدلالة عن رسول الله على ما فرق بينه، لافتراق حال الصحراء والمنازل‏.‏

وفي هذا بَيانُ أن كُلَّ مَن سَمِعَ مِن رسول الله شيئاً قَبِلَه عنه وقال به، وإن لم يُعرف حيثُ يَتَفَرَّقُ لمْ يتفرَّقْ بيْنَ ما لمْ يُعْرَفْ إلاَّ بِدِلالةٍ عن رسول الله على الفرق بَيْنَهُ‏.‏

ولهذا أشباهٌ في الحديث، اكتفينا بما ذَكَرْنَا مِنها مِمَّا لم نَذْكر‏.‏

*2*  وجه آخر من الاختلاف‏.‏

أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة عن ابن عباس قال‏:‏ أخبرني الصَّعْبُ بن جَثَّامَةَ ‏(‏أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ يُسْأَلُ عَنْ أَهْلِ الدَّاِر مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ‏:‏ هُمْ مِنْهُمْ‏.‏ وَزَادَ عمرو بن دينار عن الزهري هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الجهاد والسير/2790؛ مسلم‏:‏ كتاب الجهاد والسير/3281؛ أبو داود‏:‏ كتاب الجهاد/2298؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب الجهاد/2829‏.‏‏]‏

أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن ابن كَعْب بن مالك عن عَمِّهِ‏:‏ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابن أبي الحُقَيْقِ‏(‏ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ‏)‏ ‏[‏ أبو داود‏:‏ كتاب الجهاد/2298؛ مالك‏:‏ كتاب الجهاد/856‏.‏‏]‏

قال‏:‏ فكان سفيان يذهب إلى أنَّ قولَ النبي‏:‏ هُمْ مِنْهُمْ إباحَةٌ لِقَتْلِهم، وأنَّ حديث ابن أبي الحُقَيْقِ ناسخ له، وقال‏:‏ كان الزهري إذا حدَّثَ حَديثَ الصَّعْب بن جَثَّامَةَ، أتْبَعَهُ حديث ابن كعب‏.‏

قال الشافعي‏:‏ وحديث الصَّعْب بن جَثَّامَةَ في عُمْرَةِ النبي، فإنْ كان في عُمرته الأولى فقد قيل‏:‏ أمرُ ابن أبي الحُقَيْقِ قَبْلَهَا، وقيل‏:‏ في سَنَتِها، وإنْ كان في عُمرته الآخِرة، فهو بعْدَ أمْرِ ابن أبي الحُقَيْقِ غَيْرَ شَكٍّ، والله اعلم‏.‏

ولم نَعْلَمْه - صلى الله عليه - رخَّص في قتل النساء والوِلْدان ثم نهى عنه‏.‏

ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والوِلدان‏:‏ أن يَقْصِدَ قَصْدَهُمْ بِقتل، وهم يُعْرفون مُتَمَيِّزين ممن أمَرَ بقتله منهم‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ هُمْ مِنْهُمْ‏:‏ أنهم يجمعون خَصْلَتَيْنِ‏:‏ أنْ ليس لهم حُكْم الإيمان الذي يُمْنَع به الدَّمُ، ولا حكمُ دار الإيمان الذي يُمنع به الإغارةُ على الدَّارِ‏.‏

وإذْ أباحَ رسولُ الله البَيَاتَ والإغارة على الدار، فأغار على بني المُصْطَلِقِ غارِّين‏:‏ فالعلم يحيط أن البيات والإغارة إذا حَلَّ بإحلال رسول الله لم يمتنع أحدٌ بَيَّتَ أوْ أغارَ مِن أن يُصيب النساء والوِلدان، فيسقط المَأْثَمُ فيهم والكفارةُ والعقْلُ والقَوَدُ عَن من أصابهم، إذ أُبيح له أن يُبَيِّتَ ويُغير، وليست لهم حُرْمة الإسلام‏.‏

ولا يكون له قتْلُهم عامِداً لهم متميزين عارفاً بهم‏.‏

فإنما نهى عن قتل الوِلدان‏:‏ لأنهم لم يَبْلُغوا كُفْرًا فيَعملوا به، وعن قتل النساء‏:‏ لأنه لا معنى فيهن لقتالٍ وأنهن والوِلدان يُتَخَوَّلُون ‏[‏ يُتَّخذون خولاً أي عبيداً وإماءً ‏]‏ فيكونون قوَّةً لأهل دين الله‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ أبِنْ هذا بغيره‏.‏

قيل‏:‏ فيه ما اكتفى العالم به مِنْ غَيْرِه‏.‏

فإن قال‏:‏ أفتجد ما تَشُدُّه به غيرَه، وتُشَبِّهُهُ مِنْ كتاب الله‏؟‏

قلت‏:‏ نعم، قال الله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا، فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا‏}‏ النساء‏:‏92

قال‏:‏ فأوجب الله بقتل المؤمن خطأً الدِّية وتحريرَ رقبةٍ، وفي قتل ذي الميثاقِ الديةَ وتحريرَ رقبةٍ، إذا كانا معاً ممنوعَي الدم، بالإيمان والعهد والدار معاً، فكان المؤمن في الدار غيرِ الممنوعة وهو ممنوعٌ بالإيمان، فَجُعِلَتْ فيه الكفارة بإتلافه، ولم يُجْعَلْ فيه الدِّيةُ، وهو ممنوع الدم بالإيمان، فلما كان الوِلْدانُ والنساء مِن المشركين لا ممنوعين بإيمان ولا دار‏:‏ لم يكن فيهم عَقْلٌ ولا قَوَدٌ ولا دية ولا مأثم - إن شاء الله - ولا كفارةٌ‏.‏

*2* في غسل الجمعة

فقال‏:‏ فاذْكر وجوهاً مِن الأحاديث المختلفة عند بعض الناس أيضاً‏.‏

فقلت‏:‏ أخبرنا مالك عن صفوان بن سُلَيْم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخُدري، أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏غُسْلُ يَوْمِ الجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الجمعة/830؛ مسلم‏:‏ كتاب الجمعة/1397؛ النسائي‏:‏ كتاب الجمعة/1360؛ مالك‏:‏ كتاب النداء للصلاة/210‏]‏

أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه، أنَّ النبي قال‏:‏‏(‏ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الجُمْعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الجمعة/845؛ مسلم‏:‏ كتاب الجمعة/1394‏]‏

قال الشافعي‏:‏ فكان قولُ رسول الله في‏:‏ ‏(‏غسل يوم الجمعة واجب‏)‏، وأمْرُه بالغسل، يحتمل معنيين‏:‏ الظاهرُ منهما أنه واجب، فلا تجزئ الطهارَةُ لِصَلاة الجُمْعَةِ إلاَّ بالغسل، كما لا يجزئ في طهارة الجُنُبِ غيْرُ الغسل، ويحتمل واجبٌ في الاختيار والأخْلاق والنَّظافة‏.‏

أخبرنا مالك عن الزهري عن سالم قال‏:‏‏(‏ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ يَوْمَ الجُمْعَةِ، وعُمُرُ بْنُ الخَطَّابِ يَخْطُبُ، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ أَيَّتُ سَاعَةٍ هَذِهِ، فَقَالَ‏:‏ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ، فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ، فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ، فَقَالَ عُمَرُ‏:‏ الوُضُوءُ أَيْضًا‏!‏ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ‏؟‏‏!‏ ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الجمعة/829؛ مسلم‏:‏ كتاب الجمعة/1395‏]‏

أخبرنا الثِّقة عن مَعْمَرٍ عن الزهري عن سالم عن أبيه مثلَ معنى حديث مالك، وسَمَّى الدَّاخِلَ يَوْمَ الجمعة بِغَيْرِ غُسل‏:‏ عثمان بن عَفَّانَ‏.‏

قال‏:‏ فلَمَّا حَفِظَ عمر عن رسول الله أنه كان يأمر بالغُسْلِ، وعلم أنَّ عثمان قد عَلِمَ مِنْ أمْر رسول الله بالغسل، ثم ذكر عمر لعثمان أمْرَ النبي بالغُسل، وعلِمَ عثمان ذلك‏:‏ فلو ذهب على مُتَوَهِّمٍ أنَّ عثمان نسِيَ، فقد ذكَّرَه عمر قبْلَ الصلاة بِنسيانِه، فلَمَّا لم يتركْ عثمان الصلاة للغسل، ولمَّا لمْ يأمره عمر بالخروج للغسل‏:‏ دلَّ ذلك على أنهما قد عَلِمَا أن أمْرَ رسول الله بالغسل على الاختيار‏[‏ لم ينفرد الشافعي بهذا التأويل فقد ذهب إليه مالك أيضاً وغيره‏.‏ وردَّه ابن حزم في المحلى 2/19 وابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام 2/109،111 رداً بليغاً ومال إليه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الرسالة ص 306 وفرَّق بين وجوبه وبين شرطيته لصحة الصلاة فأثبت الأول ونفى الثاني‏]‏، لا على أنْ لا يُجْزِئَ غيُره، لأن عمر لم يكن لِيَدَعَ أمْرَه بالغسل، ولا عثمان إذْ علمنا أنه ذاكِرٌ لِترك الغُسل، وأمرِ النبي بالغسل‏:‏ إلاَّ والغُسْلُ - كما وصفْنَا - على الاختيار‏.‏

قال‏:‏ ورَوَى البصْرِيُّونَ أنَّ النبي قال‏:‏ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَةْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفْضَلُ‏[‏ الترمذي‏:‏ كتاب الجمعة/457؛ النسائي‏:‏ كتاب الجمعة/1363؛ أبوداود‏:‏ كتاب الطهارة/300؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/1081‏]‏

أخبرنا سفيان عن يحيى عن عَمْرةَ عن عائشة قالت‏:‏ ‏(‏كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَرُوحُونَ بِهَيْآتِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ‏:‏ لَوْ اغْتَسَلْتُمْ‏)‏‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب الجمعة/853؛ أبو داود‏:‏ كتاب الطهارة/298؛ أحمد‏:‏ باقي مسند الأنصار/23203‏.‏‏]‏

*2*  النهي عن معنىً دلَّ عليه معْنًى في حديثٍ غيره‏.‏

أخبرنا مالك عن أبي الزِّنَاد ومحمد بن يحيى بن حَبّان عن الأعرج عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب النكاح/4747؛ النسائي‏:‏ كتاب النكاح/3188؛ أبو داود‏:‏ كتاب النكاح/1782؛ أحمد‏:‏ باقي مسند المكثرين/9572‏]‏

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي، أنه قال‏:‏ ‏(‏لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ‏)‏ ‏[‏مالك‏:‏ كتاب النكاح/965‏]‏

قال الشافعي‏:‏ فلو لم تأت عن رسول الله دِلالة على أن نهيه عن أنْ يَخْطُب عَلَى خطبة أخيه على معنى دون معنى‏:‏ كان الظاهِرُ أنَّ حراماً أنْ يخطب المرء على خِطبة غيره مِن حينِ يبتدئُ إلى أنْ يدعَها‏.‏

قال‏:‏ وكان قول النبي‏:‏ ‏(‏لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ‏)‏ يحتمل أن يكون جوابًا أراد به في معنى الحديث، ولم يسمع مَنْ حدَّثَه‏:‏ السببَ الذي له قال رسول الله هذا، فأدَّيَا بَعْضَهُ دون بعْض، أو شَكَّا في بعْضه وسَكَتَا عَمَّا شَكَّا فيه‏.‏

فيكون النبي سُئل عن رجل خطب امرأة فَرَضِيَتْهُ وأذِنت في نكاحه، فخَطَبَها أرْجَحُ عندها منه، فرجعت عن الأول الذي أذِنَتْ في إنْكاحه، فنهى عن خِطبة المرأة إذا كانت بهذه الحال، وقد يكون أن ترجع عن من أذنت في إنكاحه، فلا يَنْكحُها من رجعت له، فيكونُ فَسَاداً عليها وعلى خاطبها الذي أذنت في إنكاحه‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ لِمَ صِرت إلى أن تقول إنَّ نهي النبي أنْ يخطب الرجل على خطبة أخيه‏:‏ على معنىً دون معنىً‏؟‏

فبِالدِّلالة عنه‏.‏

فإن قال‏:‏ فأين هي‏؟‏

قيل له - إن شاء الله -‏:‏ أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قَيْسٍ‏:‏ ‏(‏أنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ أنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَالَ‏:‏ إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي، قَالَتْ‏:‏ فَلَمَّا حَلَلَتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفْيَانَ وأبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ‏:‏ فَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وأمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لاَ مَالَ لَهُ، اِنْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، قَالَتْ‏:‏ فَكَرِهْتُهُ، فَقَالَ‏:‏ اِنْكِحِي أُسَامَةَ، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، واغْتَبَطْتُ بِهِ‏)‏ ‏[‏ مسلم‏:‏ كتاب الطلاق/2709؛ النسائي‏:‏ كتاب النكاح/3193؛ أبو داود‏:‏ كتاب الطلاق/1944؛ مالك‏:‏ كتاب الطلاق/1064‏]‏

قال الشافعي‏:‏ فبهذا قُلْنَا‏.‏

ودلَّت سنةُ رسول الله في خِطبته فاطمةَ على أسامة بعد إعْلامِها رسولَ الله أنَّ معاوية وأبا جهم خطباها، على أمْرين‏:‏

- أحدهما‏:‏ أنَّ النبي يعلم أنهما لا يخطُبانها إلاَّ وخِطبةُ أحدهما بعد خطبة الآخر، فَلَمَّا لم يَنْهَهَا ولم يَقُلْ لها ما كان لِواحِدٍ أنْ يَخْطُبَكِ حتى يترك الآخَرُ خِطْبَتَكِ، وخطبها على أسامة بن زيد بعد خطبتهما‏:‏ فاستدللنا على أنها لم ترضى، ‏[‏ هكذا هو في الأصل بإثبات الألف وقد قدَّمنا توجيه نحوه وأنه جائز في التعليق على ص 275‏]‏

ولو رَضِيَتْ واحِداً منهما أمرها أن تتزوج مَنْ رضيت، وأن إخبارَها إياهُ بمن خطبها، إنما كان إخباراً عَمَّا لم تأذن فيه، ولعلها استشارةٌ له، ولا يكون أن تستشيره وقد أذِنَتْ بأحدهما‏.‏

فلما خطبها على أسامة استدللنا على أنَّ الحال التي خطبها فيه غيرُ الحال التي نهى عن خطبتها فيها، ولم تكن حالٌ تُفَرِّقُ بين خطبتها حتى يَحِلَّ بعضها ويحرُمَ بعضها، إلا إذا أذنت للولي أن يزوجها، فكان لزوجها - إن زوَّجها الولي - أن يُلْزِمها التزويجَ، وكان عليه أن يُلزمَه، وحَلَّتْ له، فأما قبل ذلك فحالها واحدة‏:‏ ليس لوليها أن يزوجها حتى تأذن، فرُكُونها وغيرُ ركونِها سَواءٌ‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ فإنها راكِنةً مخالِفَةٌ لِحَالِها غيرَ راكِنة‏.‏

فكذلك هي لو خُطِبتْ فَشَتَمَت الخاطب وتَرَغَّبَتْ عنه ثم عاد عليها بالخطبة فلم تشتمه ولم تظهر تَرَغُّبًا ولم تركن‏:‏ كانتْ حالها التي تَرَكَتْ فيها شَتْمه مخالفةً لحالها التي شتمته فيها، وكانت في هذه الحال أقربَ إلى الرضا، ثم تنتقلُ حالاتُها، لأنها قبل الرُّكون إلى مُتَأَوَّلٍ، بعضُها أقْرَبُ إلى الرُّكون منْ بعض‏.‏

ولا يصح فيه معنى بحال - والله أعلم - إلاَّ ما وصفْتُ مِن أنه نهى عن الخطبة بعد إذنها للولي بالتزويج، حَتَّى يَصِيرَ أمْرُ الولي جائزاً، فأما ما لم يَجُز أمر الولي فأوَّلُ حالها وآخرُها سواءٌ، والله أعلم‏.‏

*2*  النهي عن معنىً أوضحَ من معنىً قَبْلهُ‏.‏

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب البيوع/1969؛ مسلم‏:‏ كتاب البيوع/2721؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4404؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1177‏]‏

أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب البيوع/1996؛ الترمذي‏:‏ كتاب النكاح/1053؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4430‏]‏

قال الشافعي‏:‏ وهذا معنى يُبَيِّنُ أن رسول الله قال‏:‏ ‏(‏المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏، وأنَّ نهيه عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، إنما هو قبل أن يتَفَرَّقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه‏.‏

وذلك أنهما لا يكونان متبايعين حتى يَعْقدا البيْعَ معاً، فلو كان البيع إذا عَقَداه لزم كلَّ واحد منهما، ما ضَرَّ البائِعَ أن يبيعه رجلٌ سِلْعَةً كسلعته أو غيرَها، وقد تمَّ بيعه لِسِلْعته، ولكنه لَمَّا كان لهما الخِيار كان الرجل لو اشترى من رجلٍ ثَوْبًا بِعشرة دنانِيرَ فجاءه آخر فأعطاه مثله بتسعة دنانير‏:‏ أشْبَهَ أن يَفْسَخَ البيعَ، إذا كان له الخيارُ قبل أن يفارقه، ولعله يفسخه ثم لا يَتِمُّ البيع بينه وبَيْنَ بَيِّعِهِ الآخر، فيكونُ الآخَرُ قد أفسد على البائع وعلى المشتري، أو على أحدهما‏.‏

فهذا وجْهُ النهي عن أن يبيع الرجلُ على بَيْعِ أخيه، لاَ وَجْهَ له غيرُ ذلك‏.‏

ألاَ تَرَى أنه لوْ باعَهُ ثوباً بعشرة دنانيرَ، فلزمه البيع قبل أن يتفرقا من مقامهما ذلك، ثم باعه آخر خيراً منه بدينار‏:‏ لم يَضُرَّ البائِعَ الأوَّلَ، لأنه قد لَزِمَهُ عَشْرَةُ دنانيرَ لا يستطيع فسخَها‏؟‏‏!‏

قال‏:‏ وقد رُوِيَ عن النبي أنه قال‏:‏ ‏(‏لاَ يَسُومُ أَحَدُكُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ‏)‏ ‏[‏مسلم‏:‏ كتاب النكاح/2519؛ الترمذي‏:‏ كتاب البيوع/1213؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب التجارات/2163؛ أحمد‏:‏ باقي مسند المكثرين/8966‏]‏، فإن كان ثابتاً، ولسْتُ أحفظه ثابتاً، فهو مثل‏:‏ ‏(‏لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ‏)‏، لا يسوم على سومه إذا رضي البيعَ وأذِنَ بأن يُباعَ قبل البيع، حتى لوْ بِيعَ لَزِمَهُ‏.‏

فإن قال قائل‏:‏ ما دل على ذلك‏؟‏

فإن رسول الله باع فيمن يزيد، وبيْعُ مَنْ يَزيدُ سَوْمُ رجُلٍ على سوم أخيه، ولكن البائع لم يرْضَ السَّوْمَ الأوَّلَ حتى طَلَبَ الزِّيَادَةَ‏.‏

*2*  النهي عن معنى يُشْبِه الذي قبلَه في شيء ويفارقه في شيء غيره

أخبرنا مالك عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن الأعرج عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب مواقيت الصلاة/553؛ مسلم‏:‏ كتاب صلاة المسافرين وقصرها/1366؛ مالك‏:‏ كتاب النداء للصلاة/461‏]‏

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله قال‏:‏ ‏(‏لاَ يَتَحَرَّى ‏[‏ هكذا هو بإثبات الألف وتكرر غير مرة نحوه وتمحّل الشرّاح في تأويله فعدوا ‏(‏لا‏)‏ نافية وهو غير سديد وقدّمنا توجيه نحوه في التعليق على ص 275 وأنه إشباع للحركة قبل الحرف‏]‏ أَحَدُكُمْ بِصَلاَتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب مواقيت الصلاة/550؛ مسلم‏:‏ كتاب صلاة المسافرين وقصرها/1369؛ مالك‏:‏ كتاب النداء للصلاة/460‏.‏‏]‏

أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصُّنَابِحِيِّ، أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ‏)‏ ‏[‏ النسائي‏:‏ كتاب المواقيت/556؛ مالك‏:‏ كتاب النداء للصلاة/457‏]‏

فاحتمل النهي من رسول الله عن الصلاة في هذه الساعات معنيين‏:‏

- أحدهما‏:‏ - وهو أعَمُّهما - أنْ تكون الصلوات كلها، واجِبها الذي نُسي ونيم عنه، وما لزم بوجه من الوجوه منها‏:‏ مُحَرَّمًا في هذه الساعات، لا يكون لأحد أن يُصلي فيها، ولو صلى لم يؤدي ‏[‏ هكذا ثبت بالياء وانظر التعليق على ص 275‏]‏ ذلك عنه ما لزمه من الصلاة، كما يكون مَنْ قدَّم صلاةً قبْل دخول وقتها لم تُجْزي عنه‏.‏

واحتمل أن يكون أراد به بعض الصلاة دون بعض‏.‏

فوجدنا الصلاة تتفرق بوجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ ما وجب منها فلم يكن لمسلم تركُه في وقته، ولو تركه كان عليه قَضَاهُ، والآخر‏:‏ ما تقرب إلى الله بالتنقل فيه، وقد كان للمتنقل تركُه بلا قَضًا له عليه‏.‏

ووجدنا الواجب عليه منها يُفارق التَّطَوُّع في السَّفر إذا كان المرء راكباً، فيصلي المكتوبة بالأرض، لا يجزئه غيرُها، والنافلةَ راكباً مُتَوجهاً حيث شاء‏.‏

ومُفَرَّقان في الحضر والسفر، ولا يكون لِمَنْ أطاق القيامَ أن يصلي واجِبًا من الصَّلاة قاعداً، ويكون ذلك له في النافلة‏.‏

فلَمَّا احتمل المعنيين، وجب على أهل العلم أن لا يحملوها على خاصٍّ دون عامٍّ إلا بدِلالة، مِن سنة رسول الله، أو إجماع علماء المسلمين، الذين لا يمكن أنْ يُجْمِعُوا على خلاف سنةٍ له‏.‏

قال‏:‏ وهكذا غير هذا من حديث رسول الله، هو على الظاهر من العامِّ حتى تأتي الدِّلالة عنه كما وصفْتُ، أو بإجماع المسلمين‏:‏ أنه على باطنٍ دون ظاهِرٍ، وخاصٍّ دون عامٍّ، فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة عليه، ويطيعونه في الأمرين جميعاً‏.‏

أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بُسْر بن سعيد وعن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة أنَّ رسول الله قال‏:‏ ‏(‏مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعْةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ‏)‏ ‏[‏ مسلم‏:‏ كتاب المساجد ومواضع الصلاة/956؛ أحمد‏:‏ باقي مسند المكثرين/9575؛ مالك‏:‏ كتاب وقوت الصلاة/4‏(‏1‏)‏ ‏]‏

قال الشافعي‏:‏ فالعلم يحيط أن المُصلي ركعةً من الصبح قبل طلوع الشمس والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس، قد صلَّيَا معًا في وقتين يجمعان تحريمَ وقتين، وذلك أنهما صليا بعد الصبح والعصر، ومع بُزُوغ الشمس ومَغِيبها، وهذه أربعةُ أوْقات مَنْهِيٌّ عن الصلاة فيها‏.‏

لَمَّا جعَلَ رسول الله المصلين في هذه الأوقات مُدْرِكين لصلاة الصبح والعصر، استدللنا على أن نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات على النوافل التي لا تَلْزَمُ، وذلك أنه لا يكون أن يُجْعل المَرْءُ مُدْرِكًا لصلاةٍ في وقتٍ نُهِيَ فيه عن الصلاة‏.‏

أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنَّ رسولَ الله قال‏:‏ ‏(‏مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي‏(‏14‏)‏ ‏}‏ طه ‏:‏ 14 ‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب مواقيت الصلاة/562؛ النسائي‏:‏ كتاب المواقيت/615؛ أبو داود‏:‏ كتاب الصلاة/371؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب الصلاة/689؛ الدارمي‏:‏ كتاب الصلاة/1201‏]‏

وحدّثَ أنس بن مالك وعمران بن حصين عن النبي مِثل معنى حديث ابن المسيب، وزاد أحدُهما‏:‏ أوْ نَامَ عَنْهَا‏.‏

قال الشافعي‏:‏ فقال رسول الله‏:‏ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا، فجعل ذلك وقتاً لها، وأخبر به عن الله - تبارك وتعالى - ولم يستثني‏[‏ هكذا هي بالياء وكثر مجيء نحوها كثرة يُطمأن إلى صحتها ويُركن إلى مذهبها‏.‏ وانظر ص 275‏]‏

وقتاً مِن الأوقات يَدَعُها فيه بعْد ذكرها‏.‏

أخبرنا ابن عيينة عن أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير بن مُطْعِمٍ أن النبي قال‏:‏ ‏(‏يَا بَنِي عَبْدِ منَاَفٍ، مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بَهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى، أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ‏)‏ ‏[‏ الترمذي‏:‏ كتاب الحج/795؛ النسائي‏:‏ كتاب المواقيت/581؛ أبو داود‏:‏ كتاب المناسك/1618؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/1244؛‏]‏

أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج عن عطاء عن النبي مثل معناه، وزاد فيه‏:‏ يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، ثم ساق الحديث‏.‏

قال‏:‏ فأخبر جُبَيْرٌ عن النبي، أنَّهُ أَمَرَ بِإِبَاحَةِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالصَّلاَةِ لَهُ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ الطَّائِفُ وَالمُصَلِّي‏.‏

وهذا يبين أنه إنما نهى عن المواقيت التي نهى عنها، عن الصلاة التي لا تلزم بوجه من الوجوه، فأما ما لزم فلم يَنهَ عنه، بل أباحه، صلى الله عليه‏.‏

وصلى المسلمون على جنائزهم عامةً بعد العصر والصبح، لأنها لاَزِمة‏.‏

وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن عمر بن الخطاب طاف بعد الصبح، ثم نَظَرَ فلم يرى ‏[‏ انظر الحاشية من المقطع السابق مباشرة‏]‏ الشمْسَ طلعتْ، فركِب حتى أتى ذا طوًى وطلعت الشمس، فأناخ فصلى‏:‏ فنهى عن الصلاة للطواف بعد العصر وبعد الصبح، كما نهى عما لا يلزم مِن الصلاة‏.‏

قال‏:‏ فإذا كان لِعُمر أن يؤخر الصلاة للطواف، فإنما تركها لأن ذلك له، ولأنه لو أراد منزلاً بذي طوى لحاجةٍ كان واسعاً له - إن شاء الله -، ولكن سمع النهيَ جملةً عن الصلاة، وضرب المنكدِرَ عليها بالمدينة بعد العصر، ولم يسمع ما يدل على أنه إنما نهى عنها للمعنى الذي وصفنا، فكان يجب عليه ما فعل‏.‏

ويجب على من علم المعنى الذي نَهَى عنه والمعنى الذي أبيحت فيه‏:‏ أن إباحتها بالمعنى الذي أباحها فيه خلاف المعنى الذي نهى فيه عنها، كما وصفتُ مما رَوَى علي عن النبي مِن النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ، إذْ سمع النهي ولم يسمع سبب النهي‏.‏

قال‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ فقد صنع أبو سعيد الخدري كما صنع عمر‏؟‏

قلنا‏:‏ والجواب فيه كالجواب في غيره‏.‏

قال‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ فهل مِن أحد صَنَعَ خِلاف ما صَنَعَا‏؟‏

قيل‏:‏ نعم، ابنُ عمر، وابن عباس، وعائشة، والحسن، والحسين، وغيرهم، وقد سمع ابن عمر النهي من النبي‏.‏

أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال‏:‏ رأيت أنا وعطاء بن أبي رَباحٍ ابنَ عمرَ طاف بعد الصبح، وصلى قبل أن تطلع الشمس‏.‏

سفيان عن عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عن أبي شعبة‏:‏ أنَّ الحسن والحسين طافا بعد العصر وصَلَّيَا‏.‏

أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال‏:‏ رأيتُ ابن عباس طاف بعد العصر وصلَّى‏.‏

قال‏:‏ وإنما ذكرْنا تَفَرُّقَ أصحاب رسول الله في هذا ليَسْتَدِلَّ مَن عَلِمَهُ على أنَّ تفرُّقهم فيما لرسول الله فيه سنةٌ‏:‏ لا يكون إلا على هذا المعنى، أو على أنْ لا تبلغ السنة مَن قال خلافها منهم، أو تأويلٍ تحتمله السنة، أو ما أشبه ذلك، مما قد يرى قائله له فيه عُذْرًا، إن شاء الله‏.‏

وإذا ثَبَتَ عن رسول الله الشيءُ فهو اللازم لجميع مَنْ عَرَفَهُ، لا يُقَوِّيه ولا يُوهِنُه شيءٌ غيره، بل الفرْضُ الذي على الناس اتِّباعه، ولم يجعل اللهُ لِأَحَدٍ معه أمْرًا يخالف أمْرَهُ‏.‏

*2*  باب آخر‏.‏

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر‏:‏ ‏(‏أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ‏.‏ والمُزَابَنَةُ‏:‏ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً‏)‏ ‏[‏البخاري‏:‏ كتاب البيوع/2026؛ مسلم‏:‏ كتاب البيوع/2846؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1140‏]‏

أخبرنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان أنَّ زيْدًا أبا عيَّاشٍ أخبره عن سعد بن أبي وقاص‏:‏ ‏(‏أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ‏؟‏ فَقَالَ النَّبِيُّ‏:‏ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ‏؟‏ قاَلُوا‏:‏ نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ‏)‏ ‏[‏ الترمذي‏:‏ كتاب البيوع/1146؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4469؛ أبو داود‏:‏ كتاب البيوع/2915؛ ابن ماجه‏:‏ كتاب التجارات/2255؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1139‏]‏

أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت‏:‏ ‏(‏أنَّ رَسُولَ اللهِ رَخَّصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب البيوع/2039؛ مسلم‏:‏ كتاب البيوع/2838؛ مالك‏:‏ كتاب البيوع/1131‏]‏

أخبرنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن زيد بن ثابت‏:‏ ‏(‏أنَّ النَّبِيَّ رَخَّصَ فِي العَرَايَا‏)‏ ‏[‏ البخاري‏:‏ كتاب البيوع/2028؛ مسلم‏:‏ كتاب البيبوع/2043؛ النسائي‏:‏ كتاب البيوع/4460‏]‏

قال الشافعي‏:‏ فكان بيع الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مَنْهِيًّا عنه، لنهي النبي، وبَيَّنَ رسولُ الله أنه إنما نهى عنه لأنه ينقص إذا يَبِسَ، وقد نهى عن التمر بالتمر إلاَّ مثلاً بمثل، فلَمَّا نظَرَ في المُتَعَقَّبِ مِن نُقْصان الرطب إذا يبس، كان لا يكون أبداً مثْلاً بمثل، إذْ كان النُّقْصَانُ مُغَيَّبًا لا يُعْرَفُ، فكان يجمع معنيين‏:‏ أحدهما التَّفاضُل في المَكِيلَة؛ والآخر المُزَابَنَة، وهي بيع ما يُعْرف كيْلُه بما يُجْهل كيْله مِنْ جنسه، فكان مَنْهِيًّا لمعنيين

فَلَمَّا رخَّصَ رُسولُ الله في بيع العَرَايَا بالتمر كيْلاً لم تعْدُوا العرايا أن تكون رخصة مِن شيء نُهِيَ عنه، أو لم يكن النهي عنه‏:‏ عن المزابنة والرطب بالتمر‏:‏ إلاَّ مَقْصُوداً بهما إلى غير العرايا، فيكونَ هذا مِن الكلام العام الذي يراد به الخاصُّ‏.‏